فيلم “الثلاثاء 12”.. عن مشاكل رقصة الباليه

تجربة فنية فريدة تجمع نجوما و ممثلين وفنيين من العديد من البلدان العربية.

وضع الشخصيات في أزمة من البديهيات التي تراود السينمائيين، سواء أكانوا كتّابا للسيناريو أو مخرجين، وعلى ذلك تمضي مسيرة الدراما الفيلمية لنشاهد الشخصيات وهي تصارع من أجل الخروج من أزماتها، وخاصة إذا كانت محاطة بطوق اجتماعي محكم يحول بينها وبين تحقيق أهدافها. هذا ما نجده في فيلم “الثلاثاء 12” للمخرج التونسي مجدي السميري.

ولا أشك أن ملخص هذا الفيلم كان في ذهن فريق العمل وفريق الإنتاج وهو يمضي في إنجازه، وقد تحدث منتجوه كثيرا على أنه تجربة فريدة من نوعها كونه يجمع نجوما أو ممثلين وفنيين من العديد من البلدان العربية، فهل تلك ميزة يعوّل عليها لتقديم فيلم جيد؟

يبدأ الفيلم في مشاهده الأولى بمشاهد ولقطات عن فتيات يتدرّبن على رقص الباليه وما نلبث أن نكتشف أن ثلاثا منهن يواجهن رفضا من عائلاتهن لهذا النوع من الفن ويطالبنهن بالتوقف عنه.

بالطبع سوف نتعرّف على أسباب كل عائلة وتحديدا كل أب في مسعاه لإبعاد ابنته عن ذلك الفن فهنالك الأب المتديّن حسن (الممثل السوري باسم ياخور) ومعه زوجته الممثلة والمنتجة ستيفاني عطاالله التي كان دورها هامشيا ولم يضف لها شيئا.

في المقابل هنالك الطبيب وليد (الممثل السوري سامر إسماعيل) المدمن على الخمر ولديه مشكلة مع طليقته مريم (الممثلة نيلي كريم) وهذه هي الأخرى لو حلت في محلها أي ممثلة أخرى لما تغير شيء بسبب محدودية الدور الذي أدته.

وأخيرا هنالك الأب المتشدد في موضوع الذكورية أمين (الممثل بيتر سمعان) الذي لا يطيق أن يلامس جسم ابنته راقص آخر.

هذا هو الإطار الذي تتحرّك فيه الشخصيات وسوف نمضي بقية المساحة الزمنية للفيلم في حوارات بين أخذ ورد بين الفتيات الثلاث (نور إيهاب وستيفاني عطاالله وجويا جبور) وبين عائلاتهن.

وكأنّ ثيمة الرفض سوف ينتهي مفعولها الدرامي بمجرد التعرف على الأسباب الهشّة التي تعبّر عنها الشخصيات، ومن ثم هناك فرق بين افتراض أنها تتصرّف بهذه الطريقة في مقابل كونها شخصيات راسخة في مواقفها ولديها مقدّمات في ذلك، وإلا كيف نفسر أن الفتيات يقطعن شوطا في رقصة البالية وربما تجاوزن سن المراهقة ثم يفاجأن برفض الوالدين ولم يتحقق الرفض من البداية.

الفيلم يسرد حكاية ثلاث فتيات راقصات باليه يعشن في عائلات مفككة ويواجهن قمع آبائهن والمجتمع

ولكي نواصل رحلة المفاجآت في هذا الفيلم سوف يكون الطبيب المعالج لأمل هو نفسه والد صديقتها الذي يمنعها هي الأخرى من الباليه، وفي وسطهم هنالك والد أمين، الكهل الذي يتدرب على الإنجليزية ويشارك حفيدته فكرة الرقص.

ولسوف نبحث في هذه الدراما عن تحوّلات، عن حبكات ثانوية تقلب الأمور رأسا على عقب فلن نجدها، ولأن لكل فعل رد فعل فإن الجدال بين الآباء والبنات من الممكن أن يفضي الى الصفع هو بديهية لا معنى لها من فرط تكرارها.

لا شك أن الفيلم بما حمله من خطاب بصري وخاصة من ناحية التصوير والمونتاج كان فيه كثير من الجهد الواضح والمهارة والصنعة السينمائية الجيدة، فضلا عن الانتقالات السلسة بين الشخصيات والأماكن، لكن كل ذلك لم يسد الثغرات الواضحة في بناء السيناريو الذي بدا وكأنه يريد أن يقدم لنا نصيحة أو فكرة في مقال وليس فيلما يفترض أن تحتشد فيه جميع عناصر الدراما والصراع، وليس كرنفالا لمجموعة ممثلين لم يضيفوا شيئا لمسارهم وفيهم محترفون وفيهم وجوه جديدة.

وكما هو معتاد في كثير من الأفلام الني نشاهدها في الآونة الأخيرة تبرز مشكلة الموسيقى التصويرية التي يظن القائمون عليها، ولا أدري من أين جاؤوا بهذا الظن، أن موسيقاهم يجب أن تطغى على أصوات الممثلين حتى لا تستطيع أن تفهم الحوار جيدا أو أنها ضيف دائم ويجب إجباريا أن تكون موجودة في جميع المشاهد وأيضا لا بأس من السخاء في ذلك بإطلاق أصوات العديد من الآلات الموسيقية. مرة واحدة.

وإذا عدنا إلى السيناريو الذي لم يكن متماسكا ويفتقد إلى الكثير من العناصر التي من الممكن أن تنهض بقصة سينمائية رصينة ومتماسكة البناء، فالشخصيات بصفة عامة لا تظهر سلبياتها إلا على الكائن الضعيف، الابنة مثلا، بينما غابت مساحة كبيرة من أفعال وردود الأفعال في الحياة على اتساعها، فأيها الأشد شرّا دراميا، ذلك ما نبحث عنه في الدراما وخذ مثالا ذلك الطبيب الذي دائرته لا تتعدى المستشفى واحتساء الخمر ورفض ذهاب ابنته لدرس الباليه، وماذا بعد؟

وخذ المتديّن وكيف أن بضعة مواقف سريعة جعلته يتقبل مصافحة النساء، وكأن نقطة التطهير التي ينتظرها الفيلم وجمهور الفيلم هو فعل المصافحة في حد ذاته، بينما يفترض أن ما يعيشه بقناعاته ومسارات المجتمع، إن وجدت، فيجب أن تتسع إلى مساحات أخرى نكتشف من خلالها ما هو مخبّأ ومجهول عن تلك الشخصية، علما أن باسم ياخور بما يمتلكه من طاقة تمثيل مؤهل ليقدم دورا مختلفا وعميقا وليس هامشا سطحيا متكررا على الشاشة.

مشكلتنا الأزلية في كتابة السيناريو تتكرر وتتجدد في هذا الفيلم كما في كثير من الأفلام، الاستعجال في تقديم قصة سينمائية غير ناضجة ولا مكتملة العناصر الدرامية ولم يجر تقييمها بمعايير درامية رصينة.

طاهر علوان – كاتب عراقي مقيم في لندن

 World Opinions FR & ENG | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La voix Des Sans-Voix

تصفح ايضا

كتبت عن مشاعر المرأة بجرأة.. الموت يغيب أيقونة الشعر العراقي لميعة عباس عمارة.. فيديو

يقول الناقد العراقي علي حسن الفواز إن الراحلة "جزء من ذاكرة القصيدة الجديدة ومن هواجسها بالمغامرة والانفتاح على عوالم نزعت عنها الرتابة والمألوف الشعري، وكانت القصيدة المسكونة بالأنوثة تمثل وعيا جديدا مثلما تمثل انفتاحا كسرت معه الكثير من تقاليد الألفة والنمطية".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
3 × 30 =