صحافة معولمة في مواجهة فساد معولم

فرضت “وثائق باندورا” تحديا مهنياً جعل من ظاهرة التعاون الصحافي ركناً صلباً في مستقبل الصحافة، ذاك أننا كنا حيال 600 صحافي من حول العالم، عملوا على قصة واحدة، وجاء الإنجاز استثنائياً لجهة حجم الكشف وسرعة نتائجه، ولكن أيضاً استثنائياً بما أثاره من اهتمام وذهول في أوساط “أبطال القصة” من المسؤولين الذين جرى الكشف عن حضورهم في الجنات الضريبية، فراحوا، بعد النشر، يرشقون الردود إلى كل حدب وصوب على رغم أنهم أُعطوا حق الرد قبل نشر القصص.

لم يعد التنافس عنصراً رئيساً في القصة الصحافية، ذاك أن العالم صار أوسع مما كان عليه، ومن يعمل يحجز مكانه. المهنة بخير على رغم كل ما أصابها من تحولات فرضتها التكنولوجيا وثورة وسائل التواصل الاجتماعي. فقد زادت الحاجة للقصة الصحافية، والأخيرة استعانت بما تتيحه التكنولوجيا من سهولة في الوصول إلى المعلومات. صار من السهل أن تتوافر للقصة الصحافية العالمية شروط للتحقق. “وثائق باندورا” أنشأت “نيوز روم” من 600 صحافي موزعين على نحو 80 بلداً، يلتقون في غرف “التشات” ويتبادلون المعلومات ويتولون مهاماً تتجاوز المؤسسات التي يعملون فيها. التسريب كان نقطة الانطلاق، لكن الجهد الفعلي بدأ في أعقاب وصوله، ذاك أن العمل على نحو 12 مليون وثيقة لا يمكن أن ينجح من دون هذه السعة، ومن دون الايمان بالقدرة على الإنجاز والتأثير.

القطبة الرئيسة في هذا الإنجاز الصحافي يتمثل في نجاح الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) في تشكيل الكونسورتيوم الصحافي الذي عمل كفريق واحد متجانس، فالقصة من لبنان كانت عناصرها موزعة بين موناكو ولندن وبيروت طبعاً، وكان متاحاً لنا، ونحن في بيروت، إمكانات رصد وتقصٍ حول العالم. ثم أن الشروط المهنية التقت عند قواسم مشتركة جمعت كل القصص التي شملها التحقيق. مواجهة المسؤولين والشخصيات التي شملها التسريب وحقهم بالرد، كان أحد شروط الكتابة في كل الموضوعات التي كتبت في كل وسائل الإعلام. توحيد المعايير انجاز بدوره، وهو يحسب للزملاء في الـ(ICIJ)، وعولمة القصة الصحافية أتاح الاحتكاك بتجارب صحافية متقدمة سيكون له أثره الأكيد على المهنة، وبالأخص على القصة الصحافية العربية.

ومثلما كشفت الوثائق أن الفساد صار معولماً، فإن مواجهته تقتضي صحافة معولمة، وربما لاحقاً قضاء معولماً، وصولاً إلى قيم معولمة، ذاك أن الفاسدين اللبنانيين مثلاً، هربوا بأموالهم إلى المصارف السويسرية التي تحميهم قوانينها من إمكان الوصول إلى أرصدتهم هناك. يحتاج الصحافي اللبناني لتقصي مآلات هذه الأرصدة إلى الصحافة السويسرية، تماماً مثلما يحتاج القاضي اللبناني الباحث عن الفساد، إذا وجد، إلى تعاون القضاء السويسري. مهمة الصحافي تتعدى هنا بعدها التنافسي، ذاك أننا بلد أفلس ووصل إلى حدود المجاعة، وإذا لم تؤد الصحافة مهمتها، فإن الطريق سيكون ممهداً أكثر أمام الانهيار. وفي بلداننا تحديداً تكاد الصحافة أن تكون السبيل الوحيد لوصول الرأي العام إلى الحقيقة، في ظل تعطيل القضاء وفساده، وفي ظل أنظمة يصعب فيها الوصول إلى المعلومات. فما كشفه الصحافيون في قضية انفجار مرفأ بيروت يفوق ما كشفه المحققون الأمنيون والقضائيون.

للفاسدين حلفاء أقران خارج الحدود، ثبت ذلك مرة جديدة في “وثائق باندورا”، فكان أن جرى ابتداع فكرة الصحافيين الحلفاء، وهذه المرة شعرنا بقدرتنا على تهديد الفساد أكثر من أي وقت مضى. حين كنا نرسل كتاب المواجهة لأحد الشخصيات موقعاً من هيئة مؤلفة من 600 صحافي، كانت تأتينا الأجوبة بدقة وحذر وتجاوب لم نعهده بالكثير ممن استجوبناهم. وحين نشرنا القصص تضاعفت الردود، وحرص معظم من تناولنا شركاتهم وأملاكهم في الـ”أوف شور” على التعليق والرد والتدقيق. التحقيق، أي، “وثائق باندورا”، كان أقوى من وسائل الاعلام التي شاركت فيه، وهو استقل عنها وصار وثيقة خارجها. تجربة ستكون انعطافه في العمل الاستقصائي، ونموذجها الرئيس هو التعاون بين الصحافيين وبين المؤسسات أيضاً، ومثلما دفع التنافس الصحافة إلى الأمام، سنكون بعد “وثائق باندورا” أمام فكرة التعاون بوصفها شرطاً للإنجاز.

الأهم على هذا الصعيد أن الهاربين إلى الجنات الضريبية، لا سيما في بلادنا، لم يتمكنوا هذه المرة من الاستخفاف بالرأي العام الذي استقبل التحقيق الصحافي. ملك الأردن وأمراء الخليج، شعروا أن الأمر يتعدى بلدانهم، وأن عليهم أن يقولوا شيئاً حول ما كشف في الوثائق. جرى ذلك في ظل البعد العالمي للتحقيق، وما كان له أن يحصل فيما لو كان العمل محلياً.

حازم الأمين – كاتب لبناني

 World Opinions FR & ENG | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La voix Des Sans-Voix

تصفح ايضا

الشهيد المهدي بنبركة مطلوب حيا او ميتا !.. حمل هموم الوطن والانسان والشعب

غداة الإعلان عن اغتيال الشهيد المهدي بنبركة في 31 اكتوبر 1965 بالعاصمة الفرنسية باريس يومين على نشر خبر اختطافه من قبل الشرطة الفرنسية امام مقهى ليب، وتوجيه أصابع الاتهام الى النظام المغربي ورجله الثاني الجنرال محمد افقير، كانت الطغمة الحاكمة بالمغرب وعملاءها يروجون بان المهدي كان "يتاجر في المخدرات"، في محاولة خسيسة لبث الشكوك والاحباط وسط الاتحاد ومناضليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
2 + 15 =