آراء مغاربية – المغرب | الجابري وقضية الديمقراطية

الديمقراطية نظام سياسي واجتماعي واقتصادي، يعني ببساطة نظام حكم يمنح السلطة للشعب، والتدبير للحكومة الممثلة في سلطة الأغلبية، وما شابه من التعريفات والأسس الخاصة بالممارسة السياسية، وما هو متداول ومسلم به من آليات للتدبير والتسيير، إنها بناء مستمر للمؤسسات، وصيانة للحقوق والحريات الفردية والجماعية، وإقرار بالمساواة على أساس الاستحقاق والكفاءة، دون التمييز بين الجنسين، والنظر للإنسان بوصفه مواطنا كامل المواطنة، تعمل دولة الرعاية على ضمان حقوقه الطبيعية والمدنية..

ومطالب أن يؤدي الواجب امتثالا للقانون والضمير الأخلاقي والمهني، الفرد هنا قوة مؤسسة للدولة والمجتمع المدني، وكيان فاعل في تفعيل القوانين، والزيادة في وظائف الدولة، تأملات الفلاسفة في أسس بناء الديمقراطية يعني محاولة انتشال الإنسان من الأنظمة الشمولية، والحكم الفردي المطلق نحو الإقرار بالتنوع والعمل على ولادة تجارب إنسانية في مجال السياسة، تعترف بالنسبية والاختلاف، وإتاحة المجال للفاعل في إبراز قدرة معينة على التغيير، مؤشر الديمقراطية في العالم مهم في التنمية والحضارة، تصنيف الدول العربية في 2020 لا يرقى للمستوى المطلوب، بين ديمقراطية معيبة وأخرى هجينة وأنظمة عسكرية خارج التصنيف. في عالمنا لا تقبل الديمقراطية التأجيل أو التأخير كما قال محمد عابد الجابري .

حاول الفيلسوف المغربي بسط تأملاته في التاريخي والواقعي الآني، تغلغل في العقل السياسي العربي والأخلاقي، شرح العوائق في تحليل بنية العقل العربي، التمس آليات الفهم من مقاربات عدة أهمها المقاربة الإبيستيمولوجية، واستجلاء حقيقة اللاشعور السياسي، وقدم المواصفات والعوائق التي كبلت الفعل والفاعل معا، فكانت الديمقراطية غائبة قصدا تحت دوافع سياسية وصراعات تاريخية، غائبة لأسباب ذاتية وموضوعية، تتعلق بالغياب الواضح للإرادة في التبني والاختيار، ولأسباب تتعلق بالدولة الناشئة، وعدم النضج السياسي والاجتماعي في تطبيقها، ولأسباب تتعلق بالحاكم والمحكوم معا، والظرفية غير المناسبة في تنزيلها وترسيخها .

الديمقراطية الغربية وليدة ثورات فكرية وسياسية أو لنقل بصراحة إنها وليدة الحرية والانفتاح الثقافي، والانفراج السياسي . يحلل الجابري الخطاب السياسي العربي في مراحل مختلفة من التاريخ ، يبرز بشكل قاطع حدود الخطاب في تأصيل الديمقراطية فكرا وممارسة، غائبة في خطاب التيار الإسلامي السلفي والتيار الماركسي والتيار الليبرالي، صعوبة تحقيق الديمقراطية يمكن رده إلى غياب مجتمع رأسمالي صناعي يؤمن بالطبقات الاجتماعية، ويخلق الصراع من أجل بروز الطبقات الاجتماعية برؤى متباينة الأهداف والغايات، وبالتالي التوافق على صيغة جديدة للحكم، كما تبلور في الغرب نتيجة لذلك نمو الرأسمالية، ونتيجة تبلور صيغة جديدة للعقد الاجتماعي، وما رافق ذلك من بناء للدولة والمجتمع المدني، بناء على عملية الانتقال من حال الطبيعة إلى حالة التمدن، ومن حق القوة إلى قوة الحق، نلمس ذلك عند رواد الفكر التعاقدي في القرن السابع عشر.

أما عوائق الديمقراطية عندنا تعود إلى قيام مجتمع ريعي، مجتمع يعتمد على الهبات وتحويلات العمال المهاجرين والإعلانات والقروض وعائدات النفط، ويشرح الجابري بنية العقل العربي السياسي في محدداته الثلاث وهي: الغنيمة والقبلية والعقيدة، محددات مهمة إضافة للمحددات الأخرى في تشكيل بنية العقل في بعده البياني والعرفاني والبرهاني، قوة الدولة في تحقيق الديمقراطية أنها تعمل على تذويب التناقضات، واستقلالية المجتمع السياسي عن المجتمع المدني أي أن الدولة في قوة مؤسساتها لا تعني منح الامتيازات لفئة دون أخرى أو التباهي بالقوانين والحقوق نظريا دون تكييفها واقعيا ، الدولة هنا مخاض ونتاج للإرادة العامة للأفراد.

دولة العقل كما تبلورت في الفكر الفلسفي والسوسيولوجي في الغرب، دولة تتباهي بالحداثة، وتلم بالمجتمع في حاجياته، وتعتبر الفرد المؤسس الحقيقي للدولة، وغياب الديمقراطية عندنا يزيد من الاحتقان الطائفي والمذهبي والقبلي، يشد الجماعات نحو التقاليد والانغلاق معا، فكل جماعة تريد أن تستفرد بالدولة لوحدها، بينما في جوهر الدولة هناك وحدة وتنوع، عملها قهر نزوات الفرد وأهواء الجماعات الخارجة عن نطاق القانون، وظيفتها تأمين الحاجات، وصيانة الحريات، والحفاظ على الأرواح والممتلكات، هنا ربط الجابري كذلك بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين الحكم والتنمية .

اعتبر الجابري أن الظروف الآن في العالم العربي مناسبة في تطبيقها، إرادة الديمقراطية تنطلق من الفرد والجماعة، لا معنى للعوائق الذاتية والموضوعية، ولا يعني أن العالم العربي لا يستحق هذا النوع من النظام، الانتقال من الحكم اللاديمقراطي إلى الحكم الديمقراطي حسب الجابري يقتضي أمرين: إما أن يتولى الحاكم بنفسه عملية الانتقال الديمقراطي أو إجبار الحكام على التنازل بوسيلة من الوسائل، وهذا يتطلب وجود قوة ديمقراطية، يحاول الجابري المفاضلة بين الاختيارين، ويستقر في النهاية على مبدأ التدرج ، وذلك باختيار الديمقراطية السياسية السبيل للعبور نحو الديمقراطية الاجتماعية، أي العمل السياسي يوازيه العمل المجتمعي ، وتحليل الواقع الديمقراطي في العالم العربي في رأي الجابري لا بد من إزاحة ما يتعلق بالامتيازات وتوزيع عادل للثروات..

لأن النظام الديمقراطي في بنائه العام يستدعي تحقيق الأسس الثلاثة، وهي حقوق الإنسان، من حق الإنسان في الشغل والتعليم والحرية وتكافؤ الفرص، تحقيق دولة المؤسسات، وذلك يعني العمل بالقوانين، والضرب على أيدي المخالفين والعابثين بالقرارات، كل من يعبث بالمال العام ويمارس شططا في استعمال السلطة، وما شابه ذلك من إجراءات زجرية، وأخيرا التداول السلمي للسلطة، وهذا الأمر يقتضي دستورا ينص على ذلك، وإجراءات قانونية لما هو معمول به في الديمقراطية الغربية مثلا، الديمقراطية كما يقول عابد الجابري ليست قضية سياسية بل قومية، ضرورة وطنية وقُطرية، ظلت في خانة اللامفكر فيه عند الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة، منبعها تربة مغايرة عن البيئة العربية، لكنها مفيدة وصائبة في التقليل من الاحتقان السياسي والاجتماعي، اختيار صائب في الحكم، ومحاسبة كل من لا يملك القدرة على أداء المهمة في التدبير .

الديمقراطية ضرورة ملحة للعالم العربي الذي نال منه الاستبداد الكثير فأصبح فريسة للحكم الفردي المطلق، وللغلو المذهبي والتشدد الطائفي، تستدعي الديمقراطية دولة مدنية لا تميز بين الجماعات، فكل الناس في الوطن الواحد مواطنين يتمتعون بكامل الحقوق، لكن الجابري يعود مرة أخرى حتى يتلمس في كتابه ” الديمقراطية وحقوق الإنسان ” ما يراه مناسبا في ترسيخ السلوك الديمقراطي، عندما يدعو إلى تأصيلها في الفكر والثقافة، إرادة الديمقراطية يعني الوعي بضرورتها، لا مفر لنا من فلسفة حقوق الإنسان، ولا مفر لنا كذلك من جعل هذه الحقوق مطلبا مشروعا، حقوق تجمع بين الكونية والخصوصية، كونية الحقوق في الإسلام وكونيتها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يجعل من الجابري لا يخرج عن السياق الثقافي والفكري، حيث لا يتهم بالميل الكامل لما هو غربي، حتى لا يقال عنه علماني وحداثي على الطريقة الغربية أو يتهم بالإسقاط الكامل للمنظومة الثقافية والفكرية الغربية على مجتمعاتنا، حديثه عن حقوق الإنسان في الإسلام ودعوته إلى تأصيل حقوق الإنسان في التربية ومواقف الحياة الاجتماعية مرده بالفعل إلى الدوافع القصوى لهذا الاختيار الذي يعتبر صمام الأمان في العبور نحو تجارب ديمقراطية مفيدة في التنمية والتقدم ، يعود الجابري مرة أخرى للتفتيش عن مكامن الخلل، ويعتبر العلاقة الموجودة بين الحاكم والمحكوم أو بين الراعي والرعية تكريس دائم للآداب السلطانية، ينطلق نوعا ما من التجارب الغربية..

ولا يفصل بين الديمقراطية كنظام سياسي والوعي بالحقوق والحريات، ومن أجل سيادة هذه المفاهيم وترسيخها في العقل العربي، لا بد من الاقتناع الكلي بضرورة التأصيل وعدم التأجيل، عيوب الديمقراطية وكيفية إسقاطها كليا أمر صعب في واقع ثقافي وسياسي يستدعي التدرج، واقع يعاني من أعطاب، وبحكم أن الخطاب السياسي في عالمنا لا زال أسير الماضي، ولم يحقق القطيعة المعرفية مع فكر ما قبل الحداثة، ببساطة كانت المخاوف واضحة من تفعيل آليات الديمقراطية خوفا على المصالح الطبقية وامتيازات النخب الحاكمة، هذا الفعل لا يعني البتر أو الانتقاء لما يصلح لنا من الديمقراطية، أي ديمقراطية الصناديق والإقبال على الاقتراع، وما نراه في ديمقراطية الأحزاب التي تكرس الهيمنة للزعيم والقائد الحزبي.

إننا بالفعل في حاجة قصوى إلى ترسيخ الديمقراطية في نفوسنا، إنها قناعات ذاتية قبل أن تكون واقعا موضوعيا، لا تعني الكف والتوقف عن مجابهة الحكم الفردي والغلو السياسي، ولا تعني الدعاية المجانية للأنظمة اللاديمقراطية، بل في اختيار الانتقال الديمقراطي يعني اختيار المسار الشاق والمناسب، الذي يستدعي عامل الزمن في الارتقاء من الحكم الشمولي في العالم العربي إلى الحكم الديمقراطي، وهذا الأمر يقول عنه الجابري قضية لا رجعية فيها، إنها قضية سياسية وقومية لا تقبل التفاوض أو الانتظار بدعوى أن الواقع الحالي يطلبها للغايات القصوى، وهي تحقيق التنمية الاجتماعية وتقوية المشهد السياسي، العالم الغربي لا يعرف أنظمة عسكرية، ولا معنى للحكم التوليتاري والقبضة الحديدية، هناك أنظمة في العالم تسعى راغبة وجاهدة في الرقي بتجاربها ، لكن الجابري بقدر ما يبسط التحليل والمناقشة والتقييم، عادة ما تعترضه صعوبات تتعلق بالغياب الكامل للتفكير في الديمقراطية..

لعلها أزمة مركبة، ينبش الجابري في العقل العربي ويعود تارة نحو ابن رشد، يتدرج في الأفكار والتعاليق الخاصة بكتبه عن الفكر السياسي اليوناني ، ويقتفي أثر ابن خلدون حتى ينتهي بالقول أن الخطاب السياسي العربي الحديث والمعاصر لم يبلور هذه الرغبة الملحة في ضرورة تبني الديمقراطية، الدافع الذاتي في إرادة الأفراد والجماعات، والدافع الموضوعي في إزالة أشكال الاحتقان والاستبداد، كل المواقف التي تستبعد عملية الانتقال، معركة الديمقراطية كانت غائبة في الخطاب ، وظل التأجيل تحت ذريعة التنمية وبناء الدولة، وفك التبعية عن الاستعمار، في عمق أزمة الوعي العربي بقيت الديمقراطية فكرة للاستهلاك، وطموح بدون إرادة جماعية، ولا نوايا فكرية في اختيارها فكرا وممارسة كما تبلور ذلك في الثقافة اليوناني من عهد “بركليس” في القرن الخامس قبل الميلاد، وفي الغرب القرن السابع عشر الميلادي من خلال إسهامات الفكر التعاقدي واختيارات الأمم .

لكن في اعتقادي أن من يطالب بالديمقراطية في مجتمعاتنا فئة قليلة، ومن المفارقات العجيبة أن الأحزاب السياسية في خطابها السياسي وفي قدرتها على التأطير وبناء الوعي الفردي والجماعي ليست ديمقراطية في عملها، وما تضفيه على عملها مجرد دعاية وتسابق نحو الزعامة من خلال الالتفاف على الكلمات والمفاهيم للتسويق، من هنا يبدأ الوعي الاجتماعي في التشكل من شبكات التواصل الاجتماعي ومن الإعلام الهادف، يعيد إنتاج مواقف وآراء تطالب بدمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية . وبالتالي لا ديمقراطية بدون استيعاب مضامينها، إنها فلسفة وأسلوب في التدبير لكنها غير منفصلة عن مجموعة من المفاهيم المهمة كالفرد والدولة المدنية وحقوق الإنسان والكفاءة والتنمية والمواطنة والحرية والحقوق.

أحمد شحيمط – موقع لكم

 World Opinions FR & ENG | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La voix Des Sans-Voix

تصفح ايضا

آراء مغاربية – موريتانيا | موريتانيا بين وهم الغنى وحقيقة الإنتاج

من الأمور القليلة التي يجمع عليها الموريتانيون في أحاديثهم هي أن البلد يزخر بالكثير من الثروات والموارد الطبيعية الكفيلة بجعل المواطن يعيش حياة كريمة وينعم برغد العيش. لكن السؤال المطروح هو: هل وفرة الموارد الطبيعية من بين المعايير التي على أساسها يصنف البلد بالغني؟ وهل امتلاك هذه الموارد كفيل بخلق تنمية اقتصادية في ظل تفشي الفساد من جهة، والركون إلى الكسل والاتكالية من جهة ثانية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
26 − 1 =