“الجزيرة”.. ربع قرن من “الفتنة”

احتفلت قناة “الجزيرة” بعيد ميلادها الخامس والعشرين في العاصمة القطرية الدوحة بعد مسيرة شكّلت ولا تزال منعطفا حاسما في تاريخ الخبر والمعلومة والرأي والتحليل عربيا ودوليا. ليست الجزيرة في الحقيقة قناة قطرية بل هي قناة عربية بامتياز غطّت على مدار ربع قرن أخبار العرب وحروبهم ونقلت آلامهم وترجمت أزمات شعوبهم فشهدت حرب الخليج وغزو العراق وثورات الربيع وصولا إلى حصار قطر وصفقة القرن.

لا يختلف عاقلان سواء من أنصار “الجزيرة” أو من أعدائها في أنها شكّلت منعطفا حاسما وثورة معرفية في العقل والخطاب الإعلامي العربي على حدّ سواء. لكنّ الملاحظ خلال السنوات الأخيرة وخاصة منذ اندلاع ثورات الربيع إلى اليوم أن القناة قد تعرضت إلى أبشع أنواع الشيطنة والترذيل فوُصفت بأبشع النعوت من “الحقيرة” إلى “الخنزيرة” وصولا إلى “قناة الفتنة”. هكذا أبدعت أبواق الثورات المضادة ومحاور الانقلابات وأذرع الدولة العميقة ومنابر الإعلام الرسمي العربي في شيطنة القناة وفي تشويه رسالتها الإعلامية إلى حدّ صار مطلب إغلاقها شرطا من الشروط الأساسية لرفع الحصار عن الدولة المقرّ.

لكن لماذا بالغت منصات الاستبداد العربية في شيطنة القناة؟ ولماذا أخفقت في صناعة البديل رغم إمكانياتها المالية الهائلة؟ كيف نجحت القناة في الصمود أمام الأزمات وكيف نجت من أمواج التجريف؟

طريق الألغام

لم يكن أكثر الحضور تفاؤلا يتوقع يوم إطلاق القناة منذ ربع قرن أنها ستُحدث ما أحدثته من الآثار المرئية أو الكامنة على طول المنطقة وعرضها. لم تكن فكرة أمير قطر وقتها الشيخ حمد بن خليفة تتجاوز كونها محاولة لكسر طوق الخطاب المتكلّس للإعلام الرسمي وتقديم فضاء أرحب وأقل صرامة رقابية لجمهور عربي متعطّش للخبر والرأي.

لكنّ المشروع تحوّل بسرعة هائلة إلى أضخم المنصات الإعلامية قدرة على جذب الشارع العربي وتحديد وعيه والتأثير في خياراته وتوجهاته. هذا التحوّل هو الذي فرض على النظام الرسمي العربي وحتى الدولي التحرّك السريع لمواجهة الخطر الداهم وتقديم بدائل إعلامية تمنع المنصة الجديدة من اكتساح الشارع. نشأت فجأة وفي توقيت متقارب عشرات القنوات الإخبارية العربية لمزاحمة الجزيرة وتقديم تصوّر مخالف للتغطيات والحوارات ومنابر النقاش والتحليل لكنها لم تنجح في مصادرة القيمة الأصلية للقناة وخطابها الإعلامي اللصيق بالوعي القاعدي للجماهير العربية.

ستبقى تجربة “الجزيرة” أكثر التجارب الإعلامية العربية عمقا وتركيزا وأكثرها تعبيرا عن المساحات التي يمكن للخطاب الإعلامي العربي أن يغطيها والطاقات الكامنة التي يستطيع تفجيرها. ستبقى “الجزيرة” كذلك قاطرة للوعي والتعبير والقراءة والتأويل ورافعة أساسية في مواجهة صحراء الإعلام العربي الرسمي إعلام التضليل والدجل والتسبيح بحمد الحاكم.

خلال حرب الخليج الثانية والحرب على أفغانستان عرفت القناة أوج نجاحاتها وصارت قبلة المشاهد العربي وهو الأمر الذي دفع دولا كُبرى إلى إنشاء محطات إعلامية ناطقة بالعربية ليكون لها نصيبها من وعي المواطن العربي تأثيرا وتوجيها وتضليلا.

لكنّ المرحلة الأخطر في مسيرة القناة كانت لحظة واكبت ثورات الربيع التي ضربت أسس النظام الرسمي وأسقطت أعمدته الكبرى. حينها ظهر لهذا النظام أن القناة وهامش الحرية الذي تملكه صارا خطرا وجوديا على النظام نفسه بل ذهبت به الظنون والقراءات إلى أن البث المباشر من الساحات والميادين قد ألهب مشاعر الملايين وأظهر بجلاء قابلية الاستبداد العربي للسقوط. كان طريق حرية التعبير في القناة وشعار الرأي والرأي الآخر وخيار المساحات المفتوحة خطوطا حُمرًا بالنسبة للسلطة العربية السياسية التي بدأت تُطالب برأس القناة.

فتنة الثورات وضريبة الحرية

إن قراءة سريعة في مضامين التهم التي وُجّهت إلى القناة ودلالاتها تكشف المَقاتِل التي أصابتها في بنية الوعي العربي. فما الذي يدفع دولا عربية كبرى مثل السعودية أو مصر أو غيرهما إلى المطالبة بإغلاق القناة وهم يملكون من القنوات ومن الإمكانات أضعافا مضاعفة؟ هل المشكل مع القناة أم مع خطاب القناة؟ أين مكمن الخطر الحقيقي الذي تمثّله قناة إخبارية عربية؟

لم تتحرك السلطة العربية ضد القناة في بداياتها لأنها وإن كانت تتعرض للشأن العربي الداخلي إلا أنها غطّت بحرفية نادرة حرب الخليج ضد العراق والحرب في أفغانستان والحرب على الشعب الفلسطيني.. للتحوّل إلى مصدر أساسي للمعلومة والخبر الدقيق. لكنّ مرحلة الثورات غيّرت موازين القوى بعد فشل كل المنصات الإعلامية العربية في مجاراة “الجزيرة” رغم كل إمكاناتها المالية الضخمة بما في ذلك قناة تلفزيون “العربي” القطرية.

ذهب البعض إلى اعتبار “الجزيرة” السبب الأساسي لاندلاع الاحتجاجات وهي التهمة التي يُطلقها أعداء الثورات وأنصار الانقلابات خاصة من التيار القومي الداعم الرئيسي لمجازر الاستبداد ضد الخط التحريري للقناة. أما أنصار التيارات السلفية والمدخلية الداعمة للعسكر فقد انتقت مصطلح “الفتنة” العزيز على المخيال العربي لوصف مجال الحريات الذي دشنته القناة في خطابها وحافظت عليه طوال أكثر من ربع قرن من الزمان.

يستدعي مصطلح الفتنة أطوارا مظلمة من حلقات التاريخ الإسلامي كما يجرّ خلفه حقبا متتالية من المجازر والحروب التي عانت منها الأمة طوال تاريخها المحكوم بالحرب والحرب المضادة. الفتنة في المخيال العربي الإسلامي هي أمّ الخطايا وكبيرة الكبائر لأنها مسؤولة عن انفصام عرى المسلمين في فجر الدعوة حتى وصل الأمر بهم إلى المقولة الشهيرة “سلطان غشوم ظلوم خيرٌ من فتنة تدوم”.

الاستبداد إذن أفضل من الثورة وهو جوهر ما تقصد إليه المنصات المعادية لحرية التعبير وحرية الإعلام بما هي الوجه الآخر للوعي بالحقوق والمطالبة بها ورفض القمع والتنكيل.

“الجزيرة” قناة الفتنة لأنها أيقظت الشعوب من غفلتها وحررت عقولها من قوالب الإعلام الرسمي الذي مارس عليها دهرا من التضليل والترهيب وصناعة الأصنام. حررت “الجزيرة” العقل العربي من أوهامه التي صنعها بنفسه وقدّمت ما عجزت عنه القنوات العربية الأخرى مجتمعة رغم كل حملات الشيطنة والتخوين.

لا يعني هذا الإقرار أن القناة لم تخطئ وأنه لا مآخذ عليها، لكنها تبقى رغم كل زلاتها أفضل ما أنتج العقل الإعلامي العربي إلى اليوم. إن مساحة الحرية التي يتحرك داخلها خطاب القناة هو الذي سمح لها بهذا النجاح ومكّنها من الصمود أمام أعتى العواصف وهي نفس المساحة الغائبة في المنصات الإعلامية الأخرى بما لا يسمح لهذه القنوات إلا أن تكون أبواقا للنظام الرسمي مهما حاولت التنصّل منه بإمكاناتها المادية الضخمة ومساحيقها الكثيفة.

ستبقى تجربة “الجزيرة” أكثر التجارب الإعلامية العربية عمقا وتركيزا وأكثرها تعبيرا عن المساحات التي يمكن للخطاب الإعلامي العربي أن يغطيها والطاقات الكامنة التي يستطيع تفجيرها. ستبقى “الجزيرة” كذلك قاطرة للوعي والتعبير والقراءة والتأويل ورافعة أساسية في مواجهة صحراء الإعلام العربي الرسمي.. إعلام التضليل والدجل والتسبيح بحمد الحاكم.

محمد هنيد – كاتب تونسي

 World Opinions FR & ENG | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La voix Des Sans-Voix

تصفح ايضا

زمن الارتجال والخفّة – عن قرار السلطة .. أية سلطة حجب وإغلاق المواقع الاليكترونية

عن قرار السلطة .. أية سلطة حجب وإغلاق المواقع الاليكترونية، بالارتجال والخفة والتسرع و"الشلفقة" وقصر النظر، ومن دون اي دراسة ناهيك عن المسوغات القانونية والمصلحة العامة، فإذا اقترن كل ذلك بالجهل والعداء لقيم ومبادىء الحرية والديمقراطية والتعددية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
30 ⁄ 5 =